بضعة مجانين هم كلّ ما يلزم لتغيير وجه العالم بقلم رامي كوسا

Posted by Editor on

رامي كوسا

خاص ليفانت نيوز
هذا الشّرق فيه كلّ ما يلزم لتهيئة مناخٍ نفسيّ يُحرّض على الانتحار. حروب، بطالة، ظلم، شموليّات، تمايزٌ طبقيّ لا يترك للفقير حتّى عتباتٍ باردة، مجتمعاتٌ متفسّخة تسيّرها العقيدة، تؤثّم وتُخطيءٌ وتجرّم كلّ ما هو مختلفٌ وخارجٌ عن السّائد.
في هذه البقعة السوداء من العالم يسهل فعل التخلّي عن الحيوات البائسة. الأمر لا يكلّف صاحبه أكثر من جرعة “شجاعة” زائدة، وشرفةٍ في الطّابق التاسع، ورغبةٍ في الطّيران قبيل الارتداد نحو العدم.
بيروت أوّلاً، ومن خلفها دمشق، شكّلتا، خلال السنوات الثلاث الماضية، فضاءً رحباً لمنتحرين كثر، أداروا ظهورهم للحياة، ومدّوا ألسنتهم لها، وتمرّدوا على سنّة الموت، فكانوا أصحاب القرار الفصل في موعد الوداع وشكله. هذا ليس غزلاً، ولا هو تغنٍ بوأد الرّوح، إنّه “النصر المجيد” كما يراه أصحابه الّذين يرحلون تاركين خلفهم أمّهاتٍ وآباء وأشقّاء وحبيباتٍ وأصدقاءَ منكوبين.
بعضُ المنتحرين، وهؤلاء هم السواد الأعظم، يرحلون بسلام، ويُخلّفون متلازمات ندمٍ في المحيط الضّيق الّذي يلوم نفسه على تأخره باتخاذ خطواتٍ كان من شأنها أن تمنع المُصيبة. البعضُ الآخر، يَبتكرون أساليب فريدةً للموت. ولأنّ الدهشة تُرافق الجديد حيث حلّ، فإنّ انتحار هؤلاء، المُجدّدين، يولد ارتداداتٍ غير محسوبة لدرجةِ أنّ بعضها قد يتحوّل إلى علامةٍ مميّزة في التّاريخ، فنقول قبل انتحار فلان، وبعد انتحاره.
عن البوعزيزي، مثلاً.
ماذا لو استعمل البوعزيزي مسدّساً وأسلم الرّوح برصاصةٍ في الرّأس؟ ماذا لو لم يكن انتحاره درامياً، استعراضياً، وموغلاً في الرّعب؟. أيّ أثرٍ كانت ستتركه ميتةٌ خجولةٌ تحاكي آلاف حالات الانتحار الّتي يتلاشى رجع صداها، سريعاً، كما لو أنّها ما كانت؟.
لو تجرّع الشّاب التونسيّ كميّة مضافةً من دواءٍ ما، وغاب بصمت وسكون، لجاء وقع الفاجعة أقل، ولما تحسّس الشّعب قهرَ مواطنٍ قضى حرقاً ﻷنّه ما عاد يرى من الحياة إلّا سوادها.
نحن هنا لا نحمّل البوعزيزي مسؤولية الحراك الّذي حصل في تونس، ثمّ انتقلت عدواه إلى مصر واليمن وليبيا وسورية، لكنّنا نقرأ المشهد ونُشير إلى الشّرارة الأولى. إلى رجلٍ أحرق نفسه حيّاً، فغيّر وجه العالم.
في الافتراض والدّراما.
ماذا لو كان البوعزيزي غير سويّ أصلاً؟ ماذا لو كان الشّاب يعاني خللاً نفسياً على مستوى البيت أو العاطفة؟ لعلّه كان سكراناً لحظةَ قرّر أن يُضرم النار في جسده. هكذا، تكون الحصيلةُ “ثورةً” بدأها فتىً مُضطرب، أو ربّما “مجنون”، واستناداً إلى الافتراض الأخير، نستطيع أن نقول “إنّ بضعة “مجانين” هم كلّ ما يلزم لتغيير وجه العالم”.
الشرطيّ التركيّ، الّذي أطلق النار على السفير الروسيّ في أنقرة، يُصنّف منتحراً أيضاً، فهو لا يختلف كثيراً عن شخصٍ أحرق نفسه احتجاجاً على واقعٍ ما.
العاقلون، غالباً، يحرّضون على الجريمة ولا يُنفّذونها، والقتلةُ، عن سبق رغبة، هم، على الأرجح، غير متّزنين عقلياً. أشخاصٌ يملكون نقاط ضعفٍ شتّى تُسهّل امتطاءهم وإرسالهم إلى حيثُ يشاءُ المُخطّطون. قاتل السفير الروسيّ ذهب إلى حتفه، لم ينتظر فرصة اصطياد ضحيّته في الشّارع، مثلاً، حيثُ المجالُ متاحٌ للهرب، بل أطلق النار عليه وراح يصرخ مثل “مجنون” ينتظر القصاص. مجدداً، بضعة مجانين هم كلّ ما يلزم لتغيير وجه العالم”.
الأمثلة والقياسات أكثر من أن تُحصى. الشّرق الّذي نعيش فيه لا يبدّل وجهه إلّا بعيد الجرائم. المُنتحرون لهم شعبيّة واسعة، ويحرّضون شارعاً كبيراً على فرضِ التغيير انتقاماً لمن رحلوا. العاقلون لا يحدثون فرقاً يُذكر، وبضعة مجانين هم كلّ ما يلزم لتغيير وجه العالم.

 

699 total views, 1 views today

Leave a comment