عندما تغلق جميع الأبواب.. بقلم ريما نعيسة

Posted by Editor on


ريما نعيسة
ليفانت نيوز
لم يعد المكان يتّسع لأحلامه الكبيرة. بات يعيش في حجرةٍ صغيرةٍ مظلمة في قلب عاصمة تتسع لكل شيء عدا خطواته المترنحة الثقيلة. فقد كل عائلته وامتد الفقد ليشمل الأصدقاء والعلاقات التي كان يعوّل عليها كثيراً لتثبيت خطواته في بداية طريق الحلم. لم تعد تلك الخطوات تهمه بقدر ما تهمه آلية الخلاص التي تنقذ آخر رمق باق.

حسام الشاب الثلاثيني، لم يترك وسيلةً واحدة لم يختبرها من أجل البقاء في سوريته، التي ألفها واعتادها وأحبّها وعشقها وتماها مع حزنها حتى صار من الصعب التفريق بينه وبينها. إلّا أنها (الوسائل) كانت غالباً ما تفشل فشلاً بالغاً. الشاب لم يترك مجالاً لم يجربه، عمل في الطباعة والنحاتة والحدادة، والنجارة والإعلام والدعاية، والأعمال التطوعية، لكن دائما ما كانت تقف المشكلات تقف عتبة في طريق الاستمرارية.

عندما قرر أن يتعلم كار النجارة، أخبره “معلمه” أنه لا يصلح لهذا العمل عليه البحث عن بديل آخر لأنه سوف يقوم بطرده نهاية الأسبوع. ولمّا انهمكت أصابعه على لوحة المفاتيح ليعمل كمحرر إلكتروني في أحد المواقع الإخبارية، نصب زملاء العمل له المكائدَ، لطرده من المكتب نهائياً، هذا ما حدث فعلاً.
وبينما كان يعدّ عدته للسفر والهجرة بدأت أوروبا بتشديد إجراءاتها من أجل وضع حد لتوافد اللاجئين، فأغلق الطريق مجدداً في وجهه، أخيراً قرر أن يلتحق بالخدمة لكن حتى الأخيرة لفظته، وهنا تكتمل سخرية قصته، يتّحدث بنبرة استسلاميه، قائلاً:” عندما ذهبت من أجل الالتحاق بالخدمة العسكرية أخبرني الموظف المسؤول بأن الكومبيوتر، معطّل الآن، راجعني في وقت لاحق”، وتابع :”يومها ضحكت كثيراً،ففي وقت يجاهد الكثيرين من أجل تأجيل والتهرب من الالتحاق، ترفض شعبة التجنيد أن تسوقني إلى الجبهات”.

وما كان أمام حسام إلا أن يجرّ أذيال الخيبة مجدداً عائداً إلى الغرفة الصغيرة نفسها، يفكّر كم هي الحياة قاسية ومرهقة الآن، في وقت بات سؤال “كيف سيكون شكلَ حياتنا لو لم تكن هناك حرب دائرة؟” لا يفارق تفكيره. ولتكتمل سخرية المشهد أكثر، عاد الشاب، بعد يومين، إلى شعبة التجنيد، لينفذ ما قرره في لحظة يأس وتخل لكن الموظّف أخبره أنه لم يتم تصليح الكومبيوتر حتّى الآن، وعليه أن يراجعه بداية الأسبوع القادم. جاء تعطيل الجهاز لصالح حسام، قرر أن يعيد حساباته والقرار الذي اتخذه، لم يخطر في باله شيئاً، “كنت خاوياً” هذا ما قاله، واستطرد: “لكن لابد أن يكون هناك حلاً يضع حداً لكل شيء خانق”..

الغالبية تشارك حسام نظرته وتجد في السفر “فرصة أخيرة لحياة لائق” بعيدة عن ضجيج الحرب وفوضاها، لكن بات صعباً وبحاجة إلى رأس مال يصعب تأمينه في ظل الظرف القائم. حسام ليسَ وحيداً في بؤسه، ملايين السوريين، لاسيما، فئة الشباب، يتشاركون الوجع ذاته وهو: الطريق مسدود.. مسدود.. والمجهول ينتظر.. والخوف جاثم وثقيل..

158 total views, 1 views today

Leave a comment