في نعيِ الفتوّة الشامية، رفيق السبيعي كان هنا بقلم رامي كوسا

Posted by Editor on

رامي كوسا

ليفانت نيوز
“دريد ونهاد”. هذه العبارة لم تكن تُنطقُ إلّا هكذا. فلا موت نهاد قلعي فكّك المتلازمة، ولا تفرّد دريد لحّام جزّأ الثنائيّة. الرّاحل ناجي جبر وجد لنفسه مساحة ضوءٍ بين الكبيريَن، ومثله فعلَ ذاك الوسيمُ، “الزكرتيّ”، وصاحبِ الصوتِ الممتلئِ صلابةً. رفيق السبيعي، هو أوّل ذاكرةٍ دراميةٍ للرجل الشاميّ العتيق. بـ”شرواله”، و”مشّايته” والسُلك المرخيّ على الكتفين، أدرك ابن حيّ البزورية أنّ “أبو صيّاح” سيصير معادلاً للفتوة الدمشقية في لا وعي المُشاهدين، فقدّم شخصيّةً من لحمٍ ودمْ، لا هي طوباويةٌ ولا هي سوقية، فيها من الانفعال ما فيها من الطّيبة. هذا الخلطُ المتوازنُ قرّب صاحبَ “شرم برم كعب الفنجان” من الجمهور، وجعلَ الرّفيق رفيقاً بحقّ. حين يرحلُ ابن النّاس يكونُ للحزنِ رائحةُ الخُبز.
“أبو صيّاح” رافق السبيعي طويلاً حتّى صارا واحداً في وجدان النّاس. في بيروت، مثلاً، يقولون “اليوم حضرنا مقابلة مع أبو صيّاح”. هذا “النمط”، الّذي ولُدَ قبل أربعة عقودٍ ونيّف، صارَ اليومَ إرثاً يُحيل إلى ابتسامةٍ تُعزّي البلادَ بغيابِ واحدٍ من كبارها.
بعيداً عن “أبو صيّاح”، قدّم “فنّان الشعب”، عام 2011، واحداً من أفضل أداءاته على الإطلاق، حيث لعب شخصيّة “طوطح”، الإسكافيّ اليهوديّ في حيّ “طالع الفضة” ضمن مسلسلٍ يحمل الاسم ذاته، أخرجه سيف الدين رفيق السبيعي.
طوطح، بهلول الحارة والنّاطق بحكم العمل، تربطه علاقةٌ نديّة مع السّكان جميعهم، فهو يَقرأ حياة النّاس من خلال أحذيتهم. صاحبُ “البابوج” المُهترئ النّعل هو شخصٌ أضناه الدّهر، أمّا مُلّاك “الكنادر” المصنوعة من الجلد الطبيعي، فهؤلاء من عليّة القوم الّتي لا تعرف عن الأشقياء شيئاً.
في أحد مشاهد العمل، يرفضُ طوطح، مجازاً، أن يتخلّى عن مهنته ليصيرَ مُختارَ الحيّ، فالأحذية بالنّسبة للاسكافيّ الحكيم هي خير وسيلةٍ لمتابعةِ أحوال القوم بعيداً عن “المخترة” ولوازمها. في الدراما، يحدثُ أحياناً أن يتقاطع الشخصيّ مع الشخصيّة. رفيق السبيعي و”طوطح” ظلّا وفيين للمدينة حتّى الودّاع الأخير. والمدينة هنا تعني بُسطاءها قبل كلّ حجرٍ وكلّ عَمار.
ضمنَ سياقٍ موازٍ، كان رفيق السبيعي “المونولوجيست” الشّاميّ الخفيف الظلّ. لن تغيب عن الذاكرة تلك الوصلة الّتي قدّمها، بالشراكة مع فرقةٍ موسيقية يقودها المايسترو أمين الخيّاط، يومها استعادَ فنّان الشعب موّالاً كان قد أدّاه في أحد ظهوراته مع “غوّار” و”حسني”، وغنّى أمام حشدٍ كبيرٍ “يا زالساً عالزسر، عيوني عليك سخاص”. بهذه المبالغة الشامية، وبهذا المَيل صوبَ تظهير “القبضاوية” كان صوتُ رفيق السبيعي يعلو حيناً، ثمّ يخفت لصالح دردشةٍ يشرح من خلالها صاحب “شروال وميني جوب” للجمهور معنى بعضِ العبارات والألفاظ، فيأتي الاستطراد كوميدياً وباعثاً على الضّحك والتصفيق.

تسلّل الشيب إلى شعرِ الممثل الشاميّ ولحيته. سنّة الحياة أرادت أن تقول كلمتها، فالكهولة آتيةٌ آتية. وعلى الرّغم من ثقل وزنِ الحياة تحت عباءة الحرب، ظلّت إطلالات رفيق السبيعي تُظهره صلباً متماسكاً راجح العقل، فمِثله يبقى فتيّ الرّوح وإن غالبه العُمر، ومِثله يبقى حيّاً وإن وافته المنيّة.

 

1,089 total views, 2 views today

Leave a comment