كرتون التسعينات، كلاسيكيات غنائية لطارق العربي طرقان بقلم رامي كوسا

Posted by Editor on

رامي كوسا

ليفانت نيوز

كلّما اشتدّ سواد الحاضر صار الحنين إلى الماضيات أشد. راهننا دمه كثير، وآلامه ما كانت تنتهي. ندير له ظهرنا فلا نجد إلّا عُمر الشقاوة ملجأً.
حين كنّا أطفالاً، كانت البلاد أحلى. لا أمّهاتٌ تبكين أولادً استشهدوا، ولا حبيباتٌ تندبن شبّاناً ذهبوا إلى خطوط النار، ولا مذياع يقطع أغنية “حنا السكران” ليبثّ خبراً عن رشقة هاون تدكّ هذه المنطقة أو تلك. لم نكن نعرف من الحرب إلّا “غرندايزر” الّذي يدافع عن كوكب الأرض، و”عبد الرحمن، حمزة، وحكمت” قادة الجيشِ الّذي يقاتل لأجل شرف البلاد في كرتون “صراع الجبابرة/ صقور الأرض”. الحرب كانت تُحيلنا إلى “رعد العملاق” والأسود الآلية الخمسة المكوّنة لـ”فولترون”، وإذا اشتدّ الحنين، فالقتال كان يعني لنا “جونكر” الّذي لا يُهزم.
حين يتعلّق الأمر بمسلسلات الكرتون المدبلجة للعربية، نستطيع أن نقول إنّ جيل التسعينات كان محظوظاً للغاية، فبعضُ تلك الأعمال كانت تقدّم شغلاً درامياً هامّاً لا تعوزه القيم.
استطاعت شارات الكرتون أن تصنع علاقة طويلة الأمد مع أطفال تلك المرحلة. الكابتن ماجد، أسرار المحيط، ألماسة زرقاء، ريمي، عهد الأصدقاء، رامي الصّياد الصغير، روبن هود، هزيم الرعد، مدينة النخيل، “الجينريك” الخاص بهذه الأعمال ليسَ إلّا غيضاً من فيضِ شاراتٍ أخرى تحوّلت إلى كلاسيكيات سكنت وجدان جيلٍ بحاله.
القاسمُ المُشترك بين الأغنيات السابقة كلّها، هو أنّ مؤلّفها، كتابةً ولحناً، هو طارق العربي طرقان.
لسنا نبالغ إن قُلنا إنّ لطرقان فضلاً على ذائقة الجيل كلّه. فالرّجل، السوريّ التولّد من أصلٍ جزائريّ، قدّم شغلاً يستحقّ أن نُذكّر بقيمته لاعتباراتٍ عدّة.
الاستماع إلى ألحان طرقان لمرتين اثنتين هو أمرٌ كافٍ لجعل موسيقاه ترسخ في الذهن والقلب معاً، فأغنياته سهلةٌ على تمايزها، وإذا كان لشغله روحٌ واحدة، فإنّ هذا لم يجعله يسقط في فخّ التشابه والتكرار.
يُقال إنّ الاستماع هو أفضلُ أداةٍ لتلقين اللغة. من هذه الزاوية، نستطيع أن نتحسّس قيمةً مضافةً لشُغل الفنّان السوريّ الّذي حرص على صحّة اللغة العربية الّتي استعملها في أغنياته، فجاء اللفظ خفيفاً وصائباً بصورةٍ جعلت الأطفال يكتسبون، من حيثُ لا يشعرون، مهاراتٍ مُضافةً في النطق والتشكيل.
أخيراً، لم ينظر طارق العربي طرقان إلى الطّفل على أنّه عقلٌ عاجزٌ عن تحسّس الفكر المدسوس في كلام شارات الكرتون. وقياساً بأغنيات اليوم، اللاهثة خلف المفردة الفاقعة والكلمة الرخيصة، بحجّة أنّ “الجمهور عايز كدة”، أصرّ طرقان على كتابة الجينيريك بلغةٍ تُحرّض عقل الطفل على مزيدٍ من التفكير في ما ورائيّات النّص. المقطع الأخير في أغنية ماوكلي، مثلاً، يقول “فلتحذرْ، أن تغترّ، استختدِم عقلَك أكثرْ.. وحدَك عودٌ غضّ وطريْ، والجمع عصاً لا تُكسر”. لنا أن نتخيّل أنّ هذا الخطاب كان موجّهاً، بصورةٍ رئيسة، لأطفالِ ما دون العاشرة، ومثله كلامُ أغنية “صقور الأرض” الّتي يقول مطلعها “شرفُ الوطن، أغلى منّا ومن، ما قد يجول بفكرنا في أيّ زمنْ”. هذه الشارة تحدّثت عن حبّ البلاد وجعلت الأرضَ بوصلةً دون الشخوصِ والرموز والقادة الغابرين. هذا “النشيد” هو واحدٌ من أجمل وأرقى الغناء الذي قارب موضوعة الانتماء دون مزاودةٍ ورغبةٍ بالتكسّب. حتى الأغنيات في طفولتنا كانت أحلى…..

937 total views, 3 views today

Leave a comment